
رجل من رجال الإمارات
في الذاكرة تحفر دائما صور أشخاص يصعب نسيانهم لا سيما العصاميون منهم الذين يشقون طريق النجاح بالصبر والمثابرة ليصبحوا أنموذجا ومثالا يقتدى به.
في نبش ذاكرة 25 أكتوبر يحضر في الأذهان مثال بكته الإمارات العربية المتحدة وفقدته الأمة العربية والإسلامية قبل 30 عاما لكن مسيرته بقيت حية.
انه الشهيد الراحل سيف سعيد غباش أول وزير دولة للشؤون الخارجية الذي سقط صريع رصاصات غادرة أصابته خلال محاولة لاغتيال عبد الحليم خدام وزير الخارجية السوري آنذاك في مطار أبو ظبي عام ..1977 انه قصة رجل شق طريقه إلى النجاح عبر مسيرة طويلة من الغربة والمشقة من أجل العلم والمعرفة وخدمة الوطن. من أوائل مؤسسي أركان وزارة الخارجية وإداراتها وحاملي راية رسالة الإمارات إلى العالم من اجل الخير والتضامن. قال عنه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله ”انه مثال للرجل المسؤول وواحد من خيرة الشباب ممن جاهدوا وسعوا إلى خير العرب ووحدة كلمتهم وتضامنهم”.
ولد سيف سعيد بن غباش المري في 21 أكتوبر 1932 في حي معيرض بإمارة رأس الخيمة. توفي والده سعيد بن غباش بن مصبح بن أحمد بن زايد بن صقر بن أحمد المري عندما كان في الثانية عشرة من عمره، وتوفيت والدته بعد ثلاثة أشهر من وفاة والده . وعاش بعدها مع عمته في دبي لمدة ثلاث سنوات حيث التحق بالمدرسة الأحمدية لفترة من الزمن وكان يدرس اللغة الإنجليزية في مدارس ليلية.
وفي العام ،1946 بدأ مسيرته التعليمية على يد الشيخ أحمد بن حجر حيث تعلم النحو والبديع والبيان والفقه الإسلامي وعلم الفرائض، متميزا عن أقرانه الطلبة بذكائه وسرعة حفظه للأبيات وحل مسائل الفرائض، وقام بتأدية فريضة الحج برفقة جدته وصحبة الشيخ سيف المدفع قاضي إمارة الشارقة آنذاك.
وفي خريف عام ،1949 سافر إلى البحرين طلبا للعلم والمعرفة. ورغم انه التحق بالدراسة في المدرسة الابتدائية الشرقية في المنامة قبل الامتحان النهائي للسنة الرابعة الابتدائية بعدة أشهر فقط، إلا انه نجح بتفوق وامتياز وكان ترتيبه الأول على جميع طلبة البحرين.
والتحق بالمدرسة الثانوية في البحرين من 1950 إلى ،1953 حيث عرف عنه شغفه للقراءة واستفادته من كل دقيقة من وقت فراغه في التهام الكتب، فتعلم اللغة الإنجليزية واستطاع إجادتها قراءة وكتابة لدرجة انه كان يقوم بالترجمة من العربية إلى الإنجليزية إلى بعض الباحثين الاجتماعيين الأجانب، وكان من الكتاب الرئيسيين لمجلة ”المعرفة” حيث اتسمت كتاباته بعمق النظر وبلاغة التعبير واصالة الانتماء القومي والعربي. كما كان من الرواد المنظمين لنادي العروبة حيث حرص على حضور جميع المحاضرات والندوات التي كانت تعقد مجالسا المثقفين ومناقشا أمور الثقافة والسياسة ومنفقا معظم دخله المادي المتواضع في شراء الكتب.
غادر سيف البحرين إلى العراق بعد تخرجه من الثانوية العامة عام 1953 وحصوله على المركز الأول حاملاً رسالة توصية تشيد بكفاءته من دائرة المعارف، لبدء رحلته الجامعية في دراسة الهندسة في جامعة بغداد. واجتاز السنة الأولى والثانية بنجاح ملفت رغم انه لم يدرس دراسة علمية في البحرين لكن الظروف السياسية التي أعقبت العدوان الثلاثي على مصر حالت دون إتمامه السنة الثالثة حيث اضطر إلى مغادرة العراق عام 1956 متوجها إلى مصر حيث حصل على بعثة من المؤتمر الإسلامي هناك، لكن كلية الهندسة لم تعترف بدراسته في بغداد، فقرر السفر إلى الكويت ليعمل هناك بوظيفة مساعد مهندس في دائرة الأشغال الكويتية وسط إصرار في متابعة القراءة والبحث العلمي إلى درجة تحولت فيها غرفته المتواضعة في احد الأزقة الضيقة إلى محطة لزملائه المفكرين يناقشون فيها أمور السياسة والثقافة والتاريخ العربي والعالمي.
وفي عام ،1959 هاجر إلى النمسا بعد أن توقف برهة في لبنان التي كان يحتضن حينها معظم المثقفين والسياسيين، وأقام في مدينة كراتس التابعة للعاصمة فيينا حيث انكب على دراسة اللغة الألمانية بشغف واهتمام لينمي ذاكرته بروائع الأدب الألماني مثل الشاعر ”غوته”. لكن الظروف المادية وغلاء المعيشة حالت دون التحاقه بالجامعة لمتابعة دراسة الهندسة فقرر الانتقال إلى ألمانيا وتحديدا إلى مدينة ديسلدورف حيث عمل مساعد مهندس في شركة إنشاءات ألمانية مصرا على جمع ما يكفي من المال لمتابعة دراسته.
وانتقل من ألمانيا إلى سويسرا متقدما للعمل في شركة أخرى كمساعد مهندس حيث تمكن بذكائه وتفوقه من الحصول على الوظيفة. واستفاد من وجوده هناك بالقيام بزيارات متعددة إلى ايطاليا التي ساهمت في إثراء ثقافته في حقل الآداب والفنون وقدر لا بأس به من اللغة. وفي عام 1963 انتقل إلى العاصمة الفرنسية باريس وفي نيته الاستقرار لإتمام دراسته الجامعية في
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ